تمهيد
لا جدال في أن عصرنا الحاضر نجد تطورات وإكتشافات ومفاجآت ومتغيرات متسارعة، ومخترعات باهرة لم تكن تخطر على بال أحد من قبل، و تختلف اختلافا جذريا عمّا سبقه من حقب تاريخية. وهذا العصر ما يسمى الثورة الصناعية الرابعة (العولمة 4.0)، وتتمز هذه الثورة بالأحدث في الابتكار، حيث تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والمركبات المستقلة، وإنترنت الأشياء ستؤثر على العديد من الصناعات خلال العقود القادمة. وهدف ذلك جعل الحاسوب وغيره من الآلات تكتسب صفة الذكاء، ويكون لها القدرة على القيام بأشياء مازالت إلى عهد قريب حصراً على الإنسان؛ كالتفكير والتعلم والإبداع والتخاطب.
هذا العصر القائم على التغيير وسرعة التطور والانطلاق في طريق العولمة وإلغاء الحدود والحواجز الاقتصادية والثقافية، هذا العصر هو عصر الإستراتيجية والسرعة في اتخاذ القرار وتبديل العقليات، فكل عقل يتشبث بالمناهج القديمة والبالية وبالأساليب القديمة سوف يفشل في مواجهة هذا العالم الجديد بكل أبعاده.
ومن هذا المنطلق نجد التربية الإسلامية لها دور بارز في تحقيق التنمية، وخاصة ونحن في عصر الثورة التعليمية، حيث غيرت التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال من طريقة تواصلنا مع الآخرين، حيث لم يعد الحضور الشخصي ضروريا للتواصل مع مرسلي أو مستقبلي المعلومات المتعلقة بالأنشطة التربوية، التعليمية والبحثية، كما تغيرت طريقة تعاملنا مع مواد هذه الأنشطة استقبالا، ومعالجة وتخزينا، توزيعا، وذلك بالاتجاه الايجابي.
تحديات التربية في عصرالثورة الصناعية الرابعة
ولا شك أن التربية الإسلامية من الحاجيات الأساسية للإنسان، ومن أهداف التربية الإسلامية هي إيجاد وإنشاء الإنسان الكامل الذي حياته لنفع الإسلام والمسلمين حصوصا وجميع الناس عموما. والدولة والجامعة والمؤسسات التربوية لها دور كبير ومسؤولية كبيرة في تحقيق هذه الأماني لاسيما في هذا العصر، ولكن للأسف الشديد تهتم المؤسسات التربوية كثيرا في الجانب العقلي المادي وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي فحسب، وتهمل الجانب الدينى والأخلاقي الذي بهما يصبح الإنسان إنسانا كاملا.
وإن من العوامل البارزة التي أدت إلى فشل التربية المعاصرة في بناء شخصية متصفة بالسلوك والخلق وسلامة الهدف والغاية ورصابة الفكر والعقل هي عدم ربط مناهجها وتعاليمها ودروسها برب البرية الخالق المصور لهذا الكون والمدبر لأمور الناس جميعهم. فإن التركيز في المواد العلمية وتكوين الذكاء العقلي لا سيما الذكاء الصناعي من دون الالتفات الأكثر إلى غرس القيم الأخلاقية والسلوك الحسن في نفوس المتربيين لا يولد منه إلا جيلا مثقفا بحتا وهم لا يعرفون الهدف الحقيقي والغاية الأساسية من جميع مناشطهم في هذه الحياة الدنيا. كما أن توجيه الطلاب وإرشاد المتعلمين بمحامد القيم المجردة ومكارم السلوك البحت دون ربطها بالضوابط الشرعية الصحيحة في نفوس التلاميذ والأبناء وعدم ربطه بالله العليم الخبير لا ينتج إلا أفرادا تحلوا بمحاسن السلوك ولكنهم بعيدون عن مقاصد حياتهم الأخروية، وهذا شأن كثير من الناس.
وبالاتجاه السلبية، لقد شاهد المجتمع المعاصر في هذه العولمة ظروفا عصيبة وقضايا عسيرة شاملة متعددة في شتى نواحي الحياة البشرية، ولا يكاد يخلو جانب من جوانب حياتهم عن مشكلة صعبة تلفت النظر إليها وتطلب المزيد من الاهتمام بها وحزم وعزم على إصلاحها. فالمجتمع يواجه مشاكل شتى من انحرافات عقائدية وأخلاقية، وقضايا اقتصادية تؤدي إلى انتشار جرائم وظهور الارتداد، ومسائل تربوية حيث منها تنطلق انهدام هوية الأجيال وغيرها. وكل هذه القضايا منبعها عدم فهم مقومات الإسلام، وإن من أعظمها العمل بأحكامه.[1]
دور التربية الإسلامية
- التربية في الإسلام تهدف إلى ربط علاقة العبد بربه، والقيم والمبادئ التي يسعى إلى تحقيقها هي القيم التي تقوم على أساس العبودية لله عز وجل والمبادئ التي تنبني على أصل التوحيد. لذا كان الهدف الأعلى والغاية الأسمى من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو تحقيق مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. فإن من فضائل أمة الإسلام أن بعث إليهم أفضل الورى لهديهم وتوجيههم إلى الصراط المستقيم. ولقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس بشيرا ونذيرا هاديا ورحمة للعالمين، ليعلمهم رسالة ربه ويزكيهم بمحاسن السلوك ومكارم الأخلاق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‹‹إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق››
- إن التربية الإسلامية في هذا العصر لابد أن يقصد بها بالتنشئة ورعاية الإنسان منذ الصغر، والإصلاح إلى الأفضل يقتضي التعديل والتحسين، والتأديب بالتحلي بالمحامد من الصفات والطباع والأخلاق والابتعاد عن القبائح، و تهذيب النفس البشرية وتنقيتها، وتسويتها بالتربية على فضائل الأعمال ومحاسن الأقوال، وحُسن تدبير الأمور في مختلف شئون الحياة، حتى يتحقق التكيف المطلوب، والتفاعل الإيجابي لجميع جوانبها المختلفة؛ مع ما حولها، ومن حولها.
- إن التربية الإسلامية لابد أن تسعى إلى عولمة العالَم، لكنْ من خلال أصول تُسْعِد الإنسانَ في الدنيا والآخرة، من خلال منهج رباني دَعَت إليه رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ومِن ثَمَّ فتاريخ الرُّسل وعقيدتهم ومنطلقاتهم واحدة، فَلَمَّا خُتِمت الرسالات بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم جعلها الله للعالمين جميعًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
- من أهم السمات الجديدة التي ظهرت في العصر الحديث وأدت إلى التغيرات السريعة في كافة مجالات الحياة،والتطورات المختلفة لجميع مجالات الحياة،فلا بد من تجديدات في السياسة التربوية، تجديدات في الإدارة التربوية، تجديدات في البنى التعليمية، تجديدات في المناهج وطرق التدريس، تجديدات في الوسائل التعليمية، تجديدات في التعليم المستمر.
- التوسع التدريجي لنظام إعلامي تربوي ثقافي سمعي بصري يبث عبر الفضائيات والانترنيت، وغيرهما من الوسائل المتعددة الوسائط ومع ذلك أن نواجه عولمة بالعودة إلى ما عندنا من أصول ؛ إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما يَنْبَثِق عنهما من عقيدة وشريعة.
- الأخذ بالأسباب الشرعية والأخذ بالأسباب المادية، فربُّنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، وبالإمكان أن نحول تقنية هذه العولمة بضوابط إلى أن تكون وسيلةً لنا نحن؛ لنقاوم هذه العولمة، ونعيد تأصيل حياتنا ومناهجنا خاصة في أمور تربيتنا.
- لابد أن نهتم بالتربية الخلقية في هذه العولمة لأنها من أهم المبادئ التربوية، ويقصد بها تهذيب أخلاق الناشئة وتربية أرواحهم، وبث الفضيلة فيهم، وتعويدهم الآداب الإسلامية السامية، بحيث يكون محصلتها في النهاية تربية الضمير لدى كل فرد في المجتمع.
- تطوير شامل لمنهاج التربية الإسلامية يوافق العصر أن يكون المنهج متوازناً في محتواه وطريقة عرضه، وأن ينمي لدى الطالب القدرة على التعامل مع الرأي والرأي الآخر، ويعوده على النظرة الهادئة للأمور· وفي هذا السياق، يتم التركيز في المنهج على عملية بناء النفس بالإضافة الى بناء العقل، ويتم كذلك الارتباط بقضايا العالم، مثل قضايا العولمة، قضايا البيئة، قضايا الأسرة، قضايا التعامل مع الآخرين، بالإضافة الى تذوق الفنون والأدب·
- اختيار المنهج بما يناسب هذه العولمة بمجموعة من الخطط واللوائح المتعلقة بالأهداف والمحتويات والمواد التعليمية وكذلك الطرق المستخدمة في تنفيذ أنشطة التعلم لتحقيق أهداف تعليمية معينة.
- التدبير الجيد للمؤسسات التربوية إداريًّا وبشريًّا وماليًّا، وتحديث آليات الاشتغال بالاعتماد على وسائل متطورة كالانفتاح على التكنولوجيا المعاصرة، وتقويم وتقدير آثار العولمة بطريقة عقلانية والتمييز فيها بين السلبي والإيجابي، وإعطاء العلماء والمثقفين دوراً مهمًّا في زمن العولمة عن قضايا التربوية.
- أننا في بناء التربية الإسلامية يجب أن نشترك جميعا في تعلم الحد الأدنى من العلوم الشرعية وهو القدر الذي نصحح به عقيدتنا ومعاملاتنا ثم نتفرع في التخصصات النافعة التي تحتاجها الأمة، فمنا من يتخصص في العلوم الشرعية وهو أهل ذكر فيها ، ومنا من يتخصص في الطب وآخر في الفلك وآخر في التكنولوجيا وهكذا ، والكل في النهاية خدم للإسلام وتحت طلبه وعلى ثغر من ثغوره ، ولا يخفى أننا في عصر تعددت فيه أساليب الخصم ، ومن لا يندفع بقوة الحجة قد يندفع بقوة الذرة. ولا يتأتى هذا إلا لأمة متسلحة بسلاح العلم والمعرفة ، قال تعالى : ” لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ” ( الحديد : 25 ). فمن لم تردعنه الحجة فبالوسيلة الأخرى وهي قوله تعالى : ” وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ” ( الحديد : 25 )
الخاتمة
إن في تاريخ هذه الأمة علماء أفذاذ مجتهدين أسهموا إسهاما ملحوظاً في تطور العلوم والفنون التي استفادت منها البشرية جميعاً ، ونحن نفتخربهم ونعتز ونعتقد بأن مستقبل التربية للإسلام، فالإسلامُ ينتشرُ وينتصر؛ لأنه دين الله الحق، قال الله تعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) وقال أيضا:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ )، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا في الحديث الصحيح : «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الدِّينُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزٌّ يُعِزُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الإِسْلامَ، أَوْ ذُلٌّ يُذِلُّ بِهِ الْكُفْرَ» رواه أحمد. إِذًا؛ ننطلقُ من خلال إدراكنا أَنَّ المستقبل للإسلام، وأَنَّه لا مستقبل للبشرية حقيقيًّا وحياةً حقيقيةً إلا بالإسلام.
المراجـع والمصادر
خالد حامد الحازمي ، أصول التربية الإسلامية ، (الرياض: دار عالم الكتب ، د. ط.، 1420هـ.
الراغب الأصفهاني ، مفردات ألفاظ القرآن . تحقيق: صفوان عدنان داو ودي، (دمشق: دار القلم .د. ط.، 1412هـ / 1992م ).
عبد الرحمن بن حجر الغامدي،مدخل إلى التربية الإسلامية ، (الرياض: دار الخريجي للنشر والتوزيع، د. ط.، 1418هـ ).
فتحي علي يونس وآخرون، التربية الدينية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة ، (القاهرة : عالم الكتب، مجمع اللغة العربية ، د. ط.، 1400هـ – 1999م).
محمد خير عرقسوسي، محاضرات في الأصول الإسلامية للتربية – المبادئ العليا ، بيروت : المكتب الإسلامي، د. ط.، 1419هـ).
مقداد يالجن ، ( 1406هـ ) ، جوانب التربية الإسلامية الأساسية ، (د. ط. د. ت.).
عبد الرحمن النحلاوي – أصول التربية الإسلامية و أسالبها- دمشق دار الفكف 1399- 1979م.
محمود يونس – التربية الإسلامية- القاهرة دار المعارف سنة 1988 م.
محمد منير – أصول التربية- عالم الكتب، القاهرة سنة 1978م.
[1] -عبد القادر عودة، الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه، الاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية IIFSO ، 1405، ص 7.
